هل تقام مباريات كرة القدم في أربع جولات؟
لم تعد فترات الترطيب مجرد فترات راحة قصيرة يلتقط خلالها اللاعبون أنفاسهم ويعوضون السوائل المفقودة في درجات الحرارة المرتفعة. وبدلا من ذلك، خلال كأس العالم 2026، تحولت إلى أحد أكثر القرارات تأثيرا على مستقبل اللعبة من الناحية الاقتصادية والتجاري.
ما بدأ كإجراء طبي يهدف إلى حماية اللاعبين من الإجهاد الحراري، أصبح في غضون أسابيع محور نقاش عالمي امتد من الملاعب إلى محطات البث ومن المشجعين إلى كبار المعلنين، بعد أن فتحت تلك الدقائق القليلة الباب أمام إيرادات بمئات الملايين من الدولارات.
وللمرة الأولى، وجدت كرة القدم، التي عانت دائما من قلة الفرص الإعلانية خلال المباريات بسبب اللعب دون توقف، مساحة تجارية قيمة داخل المباراة نفسها، مما دفع العديد من الخبراء إلى وصف القرار بأنه أكبر تحول اقتصادي في تاريخ بطولة كأس العالم منذ عقود.
إجراء طبي.. ونتائج اقتصادية غير مسبوقة
وجاء قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بتوحيد فترات الأمطار في جميع مباريات كأس العالم 2026، استجابة للظروف المناخية التي تقام فيها البطولة، خاصة وأن الولايات المتحدة والمكسيك وكندا تستضيف المسابقة خلال فصل الصيف، عندما ترتفع درجات الحرارة في العديد من المدن المضيفة.
وعليه، توقفت المباريات مرتين تقريباً، المرة الأولى بعد الدقيقة 22 والمرة الثانية بعد الدقيقة 67، في كل مرة لمدة ثلاث دقائق تقريباً، بهدف منح اللاعبين فرصة شرب الماء واستعادة الطاقة.
ورغم أن المبرر الطبي بدا منطقيا وحظي بتأييد واسع من الخبراء، إلا أن التأثير الحقيقي ظهر خارج المستطيل الأخضر، بعد أن تحولت تلك الدقائق إلى نافذة إعلانية ثمينة لم يسبق لها مثيل في كرة القدم.
ولم يمر القرار دون انتقادات، حيث رأى الكثيرون أن هذه الفترات تؤثر على إيقاع المباريات وتقلل من متعة المشاهدة، حسبما كتبت صحيفة “”” الإسبانية”.
وكان مدرب فرنسا ديدييه ديشان أحد أبرز المنتقدين عندما قال إن توقف المباراة لمدة ثلاث دقائق يوقف كل من في الملعب.
وأشار إلى أن الفائدة الحقيقية هي صناعة كرة القدم والإعلان، لدرجة أن الأمر أصبح وكأن المباريات تلعب على أربعة شوط بدلا من شوطين.
وتعكس تعليقات ديشامب قلقا متزايدا من أن الاعتبارات التجارية أصبحت تدريجيا تؤثر على شكل اللعبة نفسها.
صور جيتي
كرة القدم تكتشف كنزًا إعلانيًا جديدًا
لعقود من الزمن، كانت كرة القدم أكثر إشكالية بالنسبة للمعلنين من الرياضات مثل كرة السلة أو كرة القدم الأمريكية، وذلك بسبب عدم وجود فواصل طبيعية داخل اللعبة.
والآن، أصبحت الفترات الرطبة هي أول مساحة إعلانية ثابتة ومنظمة خلال وقت اللعبة، مما يتيح لشبكات التلفزيون الفرصة لبيع إعلانات جديدة بأسعار مرتفعة للغاية، على غرار ما يحدث في دوري كرة السلة الأمريكي منذ سنوات.
ويرى محللو الإعلام الرياضي أن هذه الخطوة غيرت طبيعة المنتج التلفزيوني لكرة القدم وزادت من قيمته التجارية بشكل غير مسبوق.
وتكشف بيانات iSpot، التي نشرتها مجلة فوربس، عن مدى التغييرات التي أحدثتها البطولة الحالية في سوق الإعلانات التلفزيونية.
وفي بطولة كأس العالم 2022 في قطر، والتي أقيمت خلال موسم الرياضات الأمريكية الكبرى، بلغت حصة البطولة 2.77% فقط من إجمالي الإعلانات التلفزيونية المباشرة في الولايات المتحدة. وفي نسخة 2026 ارتفعت تلك النسبة إلى 13%، وهي زيادة كبيرة تعكس توسع الحضور الإعلاني للبطولة.
وساعد على ذلك عاملان رئيسيان: الأول كان زيادة عدد المباريات من 64 إلى 104 بعد توسيع البطولة إلى 48 فريقاً، والثاني كان إدخال فترة التخميد التي خلقت مئات الدقائق الإضافية المخصصة للإعلانات التجارية، مما أدى إلى مضاعفة مشاهدة الإعلانات التلفزيونية في الولايات المتحدة مقارنة بالنسخة السابقة.
أسعار الإعلانات القياسية
ولم يقتصر هذا على الولايات المتحدة فحسب، بل على الأسواق الأوروبية أيضًا. وفي فرنسا، بلغت تكلفة إعلان تلفزيوني مدته 20 ثانية خلال إحدى فترات التخميد نحو 425 ألف يورو، مما يجعله ثاني أغلى إعلان تجاري في المباراة بعد الإعلانات التجارية التي تظهر خلال الوقت الإضافي أو ركلات الجزاء.
ولم يكن من المستغرب أن يُعطى الرعاة الرئيسيون للفيفا، مثل كوكا كولا وأرامكو، الأولوية في شراء هذه المساحات الإعلانية ذات القيمة العالية.
ومن ناحية أخرى، تظهر المقارنات اختلافا واضحا بين البطولات الكبرى. فبينما ضمت أولمبياد باريس 84 راعيا رسميا، ظهر 30 منهم فقط بشكل واضح خلال البث، بينما اعتمدت بطولة كأس العالم، رغم مدتها الأطول، على 21 راعيا فقط، لكنها حظيت بحضور إعلامي وإعلاني أكثر كثافة وتأثيرا.
وكانت شبكة فوكس الأميركية من أكبر المستفيدين من النظام الجديد. وحصلت الشبكة على حقوق بث بطولتي 2022 و2026 بأسعار أقل من المتوقع، وذلك بسبب إقامة بطولة كأس العالم في قطر خلال موسم الدوري الأمريكي لكرة القدم، مما قلل من قيمة الحقوق في ذلك الوقت.
لكن بطولة 2026 غيرت المعادلة بالكامل. وبحسب تقرير نشرته صحيفة “هوليوود ريبورتر” فإن أسعار الإعلان التلفزيوني الذي تبلغ مدته 30 ثانية خلال مباريات كأس العالم تتراوح بين 200 ألف دولار و750 ألف دولار.
ومع 104 مباراة وفترتين رطبتين في كل مباراة، بلغ إجمالي الوقت المحتسب بدل الضائع حوالي 624 دقيقة، وهي مساحة إعلانية قد تصل قيمتها إلى أكثر من 500 مليون دولار، أو أكثر من قيمة حقوق البث التي دفعتها الشبكة، والتي تبلغ 485 مليون دولار.
صور جيتي
حقوق البث تدخل مرحلة جديدة
أدى النجاح التجاري لجهاز ترطيب الهواء إلى تغيير تصور السوق لحقوق بث كأس العالم. وتقدر فوربس أن قيمة حقوق الولايات المتحدة يمكن أن تبدأ بمليار دولار في دورة المزايدة المقبلة، مع إمكانية الوصول إلى ما بين 1.5 مليار دولار و2 مليار دولار إذا تم بيع بطولتي 2030 و2034 في صفقة واحدة.
ومن المهم الإشارة إلى أن الشركات التي لم تتنافس من قبل على حقوق بث مباريات كرة القدم، بدأت تظهر اهتماما واضحا بدخول السوق، مثل نتفليكس ويوتيوب وآبل وأمازون وديزني وإي إس بي إن، بعد أن أظهرت البطولة الحالية أن كرة القدم أصبحت قادرة على تحقيق إيرادات إعلانية ضخمة بفضل نظام الفترة الرطبة.
ولم تعتمد جميع شبكات التلفزيون النهج نفسه في استغلال هذه الفترات. وفي الولايات المتحدة، قررت شبكة فوكس استثمار كل دقيقة من البث في بث الإعلانات التجارية، بينما فضلت شبكة تيليموندو الناطقة بالإسبانية الاستمرار في بث ما يحدث داخل الملعب، وهو ما منحها تقييمات أفضل لدى بعض الجماهير.
وأدى هذا الاختلاف إلى خلافات واضحة بين الشبكتين، مما دفع الفيفا إلى النظر في دمج حقوق البث الإنجليزية والإسبانية للبطولات المقبلة لتجنب تكرار هذا الاختلاف.
وفي أوروبا، استفادت شبكات مثل DAZN وTVE وM6 وbeIN Sports من الفترات التجارية، بينما رفضت شبكات أخرى، مثل ITV البريطانية وGlobo البرازيلية، إلى جانب ARD وZDF الألمانيتين، مقاطعة البث المباشر بالإعلانات التجارية، إما بسبب القيود التنظيمية أو احترامًا للتقاليد التلفزيونية التي ترفض مقاطعة المباريات.
إسبانيا تنتظر.. هل يتحول النموذج إلى العالمية؟
وفي إسبانيا، من الواضح أن الاهتمام بحقوق كأس العالم يتغير. وبعد أن كانت تكاليف البطولة عائقاً أمام العديد من القنوات، أصبح وجود منصة إعلانية جديدة عامل جذب اقتصادي مهم.
ودفعت قناة RTVE الإسبانية نحو 57 مليون يورو مقابل حزمة محدودة من المباريات، فيما حصلت منصة DAZN على حقوق بث جميع مباريات البطولة البالغ عددها 104 مباريات بعقد شامل، دون الكشف عن قيمتها.
وأكدت مصادر داخل المنصة أن النتائج المالية تتوافق مع التوقعات المبنية على دراسة الجدوى، مما يرفع احتمالية ارتفاع أسعار الحقوق بشكل كبير قبل استضافة إسبانيا لكأس العالم 2030.
ويؤكد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم حتى الآن أنه لا ينوي تطبيق نظام إعلاني في دوري أبطال أوروبا أو بطولة أمم أوروبا.
لكن المؤشرات القادمة من أمريكا الجنوبية تشير إلى إمكانية توسيع التجربة لتشمل مسابقات أخرى، بعد أن أعلن اتحاد أمريكا الجنوبية لكرة القدم اعتماد فترات راحة مدتها 90 ثانية في بطولتي كوبا ليبرتادوريس وكوبا سودأمريكانا، بدءا من عام 2026.
وهذا يدل على أن ما بدأ كإجراء لحماية صحة اللاعبين يمكن أن يتحول تدريجياً إلى نموذج اقتصادي جديد تتبناه مختلف بطولات كأس العالم، خاصة مع النجاح التجاري الكبير الذي حققته بطولة كأس العالم.
في نهاية المطاف، تعتبر الفترات الرطبة مثالا واضحا على كيفية تحول قرار طبي بسيط إلى نقطة تحول اقتصادية كبرى، تعيد تعريف العلاقة بين كرة القدم والإعلان، وترفع قيمة حقوق البث إلى مستويات غير مسبوقة وتفتح الباب أمام لاعبين جدد لدخول سوق البث التلفزيوني.
وبين أولئك الذين يرونها ضرورة لحماية اللاعبين وأولئك الذين يرونها بداية لأسباب تجارية لها الأسبقية على روح اللعبة، يظل من المؤكد أن كرة القدم دخلت بالفعل مرحلة جديدة يمكن أن تعيد تشكيل مستقبلها لسنوات قادمة.